عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
67
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 51 إلى 52 ] وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 51 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) قرأ أبو عمرو « 1 » ويعقوب : « وعدنا » هنا ، وما كان مثله ثلاثيا ، وقرأ الباقون : « واعدنا » بالألف ، واختار أبو عبيد قراءة أبي عمرو ، ورجّحها بأن المواعدة إنما تكون من البشر ، وأما اللّه عز وجل فهو المنفرد بالوعد والوعيد ، على هذا وجدنا القرآن نحو : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ، * وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [ إبراهيم : 22 ] ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ [ الأنفال : 7 ] . ورجحه مكّي فقال : وأيضا فإن ظاهر اللفظ فيه « وعد » من اللّه تعالى لموسى ، وليس فيه « وعد » من موسى ، فوجب حمله على الواحد ، بظاهر النص . ثم ذكر جماعة جلّة من القراء عليها كالحسن ، وأبي رجاء ، وأبي جعفر ، وشيبة ، وعيسى بن عمر ، وقتادة ، وابن أبي إسحاق ، ورجّحه أبو حاتم أيضا بأن قراءة العامة عندنا « وعدنا » بغير ألف ؛ لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين . وقد أجاب الناس عن قول أبي عبيد ، وأبي حاتم ، ومكي بأن « المفاعلة » - هنا - صحيحة ، بمعنى أن موسى نزل قبوله لالتزام الوفاء بمنزلة الوعد منه ، أو أنه وعد أن يفي بما كلفه ربه . وقال القفال : « ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد اللّه - تعالى - ويكون معناه يعاهد اللّه
--> - على شريعة العقل . قال ابن القشيري : وهذا باطل ؛ إذ ليس للعقل شريعة ، وذهبت عصبة أهل الحق إلى أنه لم يقع ، ولكنه ممتنع عقلا . قال القاضي : وهذا نرتضيه وننصره ؛ لأنه لو كان على دين لنقل ، ولذكره - عليه السلام - ؛ إذ لا يظن به الكتمان ، وعارض ذلك إمام الحرمين وقال : لو لم يكن على دين أصلا لنقل ؛ فإن ذلك أبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي ( قال ) : فقد تعارض الأمران ، والوجه أن يقال : كانت العادة انخرقت في أمور الرسول - عليه الصلاة والسلام - ، منها : انصراف همّ الناس عن أمر دينه ، والبحث عنه . والمذهب الثالث : التوقف . وبه قال إمام الحرمين ، وابن القشيري ، والكيا ، والآمدي ، والشريف المرتضى في « الذريعة » ، واختاره النووي في « الروضة » ؛ إذ ليس فيه دلالة عقل ، ولا ثبت فيه نص ولا إجماع . وقال ابن القشيري في « المرشد » : كل هذه أقوال متعارضة ، وليس فيها دلالة قاطعة ، والعقل يجوّز ذلك ، لكن أين السمع فيه ؟ ! ثم الواقفية انقسموا : فقيل : نعلم أنه كان متعبدا ونتوقف في عين ما كان متعبدا به ، ومنهم من توقف في الأصل ؛ فجوز أن يكون وألا يكون . ينظر البحر المحيط للزركشي : 6 / 39 ، التمهيد للأسنوي : 441 ، المنخول للغزالي : 231 ، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني : 369 ، الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم : 5 / 149 ، إرشاد الفحول للشوكاني : 239 . ( 1 ) وبها قرأ أبو جعفر ، ووافقه اليزيدي وابن محيصن . انظر شرح الطيبة : 4 / 23 - 24 ، وحجة القراءات : 96 ، والعنوان : 69 ، والحجة للقراء السبعة : 1 / 56 ، وإتحاف فضلاء البشر : 1 / 391 ، وشرح شعلة : 261 .